محمد أبو زهرة
4535
زهرة التفاسير
أناديك فيه لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ، كأنه أحس بأن الشرك هو الذي ربّى في نفسه الغرور ، وأن الغرور الذي دلاه إلى هذه الحال من الهلاك . أهذا التمني في الدنيا أم في الآخرة ؟ الأقرب إلى السياق أنه في الدنيا ، وأنه سبيل التوبة ، وقد يكون في الآخرة كما تدل الآية الآتية ، وقوله : وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها الضمير يعود إلى الجنة ، وذلك من خوت الدار خواء إذا أقعرت وتهدم بناؤها وسقطت عروشها ، فخاوية على عروشها معناها ساقطة الكروم على عروشها ، أي أن كل ما فيها سقط بعضها على بعضها ، فالأشجار جفت ، والزرع صار حطاما ، وصارت كلها خواء . كان المغرور المفتون بجنته يعتز بماله ، فيقول أنا أكثر منك مالا ، وكان يعتز بنفره ، ويقول أنا أكثر منك مالا وولدا ، وهذا مآله قد آل إلى فناء وخراب ، وذهب نفره فلم يكن له نصراء ينصرونه من دون اللّه ؛ ولذا قال سبحانه مبينا عزلته . وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً ( 43 ) . الفئة الجماعة المناصرة ، أو العصبة التي تناصره ، اعتز بها ، ولقد قال : أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً فأبعد اللّه عنه عزة النفر عند إبعاد المال ، فلم يكن هناك فئة تنصره على كل حال ، بل كانوا فئة تناصر ماله ، ولا تناصر شخصه فلا نصير له من دون اللّه ، وقد تخلى اللّه تعالى عنه لعصيانه فلم يكن له نصير من غيره ، ولم يكن هو منتصرا بذاته ، فليس قويا في ذاته ينتصر لنفسه ، وليست قوة من خارجه وما كان ممتنعا بقوة شبه ذلك ، وقال قتادة ما كان مستردا بدل ما فقد منه ، والفئة مشتقة من الفىء ، أي يفىء إليها لتنصره ، فهي العشيرة ويظهر أن ذلك يوم القيامة ، ولذا قال تعالى : هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً ( 44 ) . الإشارة إلى البعيد في الآخرة ؛ ولذا كانت الإشارة بالبعيد باللام والكاف معا ، وكلاهما تنبيه للبعيد ، أي السلطان الكامل ، كما قال تعالى : . . . لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 16 ) [ غافر ] ، هُوَ خَيْرٌ ثَواباً والضمير هُوَ